• ×

05:34 مساءً , الأحد 19 مايو 2019

إقتصاد القرية قديماً

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
فراج بن حبلّص الأسمري 

في إحدى ليال شتاء عام ١٤١٠ أجريت مقابلة مع أحد كبار السن ... وهو لإيجيد القراءة والكتابة فسألته عن أوضاع الناس قديماً في قريته وفي القرى المجاورة ... وكيف كانت أحوالهم فقال :

كنا قديماً نعتمد على أنفسنا في كل شيىء ... ولا نحتاج إلى أي مؤن أو سلع الا اليسير الذي نعتبره تكميلي وليس أساسي في حياتنا ومعيشتنا اليومية مثل :
الأرز والسكّر وبعض مشتقات البترول التي لم نكن نعرفها من قبل ... ثم تابع يقول :
كان الريال ( العملة ) تدور في القرية والقرى المجاورة فلا يأتي أجنبي للعمل والخروج ببعض هذه الدراهم ... بل تتناقل الدراهم بيننا ... فهذا بنّاء وذاك
عامل بناء ... وآخر مطيّن ( أي يعد الطين للبناء من خلال مزجه بالماء وخلطه بشكل جيد )... وذاك كحّال ( وهو الذي يتولى تزيين البناء ببعض الأحجار الصغيرة ... التي تعطي المبنى جمالاً ورونقاً وترصيع المبنى ببعض أحجار المرو الأبيض بنقش هندسي بديع ...

والصانع يعد ويصنع جميع مستلزمات الحراثة والسيوف والخناجر وإصلاح الأسلحة ... وجميع لمستلزمات التي يحتاجها أهل القرية ... وهناك من يقوم بمختلف المهن والأدوات الضرورية لحياة الناس في القرية ومثل ذلك في القرى المجاورة ...

ونقوم بتصدير الحبوب الزراعية من بُر وشعير وذرة وبلسن ( عدس ) وبعض المنتوجات الزراعية الأخرى مثل الثفّاء ( حب الرشاد ) والحلبة والسنوت والبن وهو يزرع في الأصدار ( أي سفوح الجبال الغربية )لجبال السروات الفاصلة بين الحجاز وتهامة ...
ونسوقها في بيشة خاصة وأحياناً في أبها وخميس مشيط بالإضافة إلى الأسواق القريبة منا مثل إثنين بللسمر سبت تنومة ومحايل عسير وخميس مطير وثلوث المنظر ...
لتكون عوايد هذا ( التصدير ) لصالح أهل قريتنا والقرى المجاورة ... وينمو رأس المال...وتتعدد النشاطات... وبذلك لا يوجد عاطل في مجتمعنا ومن لا يعمل يكون مدعاة للنقد والإحتقار ويسمى في عرفنا سائحة ( أي عاطل عن العمل ويمشي دون هدف )...
لذلك المجتمع كله يعمل حتى الأطفال يعملون في بعض الأعمال التي تتناسب مع قدراتهم مثل البشير ( وهو إزالة الحجار الصغيرة من المزارع ومنهم من يجلب الضُرْم وهذا يعني ( غذاء الدواب ) ومنهم من يحضّر الجفاف ( وهو ورق الشجر اليابس المتساقط من أشجار الغابة ) لوضعه على أرضيات حضائر الأغنام والأبقار والجمال ( لمن يملك جمال وهي قلة ... حيث تستخدم من قبل المزارعين وبقية أفراد القرية لنقل جميع إحتياجاتهم ) ...

وبعض الأطفال يكلف برعي البهم ( صغار الضان والماعز ) ... ثم واصل قائلاً أنا أعني أنه لا يوجد صغيراً أو كبيراً في القرية الا وهو يقوم بعمل معين أي لا مكان للكسول في ثقافة القرية ... وكأنه يعني إن القرية كخليّة نحل ...

ثم سألته عن تعليم الأطفال ... هل هناك إهتمام بتعليمهم ؟ قال : نعم هناك في كل قبيلة من يقوم بتعليمهم القرآن والكتابة والأمور الفقهية ...وكانت
قريتنا مقصداً لطلب العلم ... فسألته عن أسباب عدم التحاقه بما كان يسمى الكتاتيب فذكر أنه غادر القرية منذ الصغر ثم عاد وقد بلغ سِنّ الشباب فأنصرف في العمل اليومي كغيره من أبناء القرية والذين سبقوه في تعلم القراءة والكتابة وقراءة القرآن ... ولكنه تعلم حِرْفة عامل البناء وأجاد في ذلك حيث كانت مصدر رزقه بعد الله ... ثم إستطرد في كلامه قائلاً :
كان البيع والشراء بتبادل المنافع فهذا يشتري مدّ تمر بمدين بُرّ ( أي قمح ) وذاك يشتري مدّ قهوة بثلاثة أمداد من البرّ أو أكثر ... وآخر يبيع الشعير ليشتري قِشْر ورابع يتبادل المثل بالمثل فمثلاً مدّ الذرة يساوي مدّ بلسن(عدس) وهناك من يستبدل مدّ البر بثمنة مما يعادلها من المبيعات القابلة للكيل مثل السىكّر والأرز أو من أنواع الثمار الآخرى ... الجدير بالذكر أن المكاييل آنذاك هي :

( المدّ ...نصف المدّ ... ربع المدّ ... ثُمن المدّ )
ويقال لربع المدّ : رُبْعَة ... وثمن المدّ : ثُمْنَة ...
أما الموازين فكانت بالرطل ... والأُقة
والأوقية ... وأخيراً الكيلو جرام ...

والقياس : كانوا يعتمدون في قياس الأشياء على الآتي :
الذراع : وهو إمتداد إحدى اليدين من منتصف الصدر حتى نهاية الأصابع وذلك بفرد اليد إلى مستوى الجنب وإلى الخلف قليلاً ...

الباع : وهو إمتداد الذراعين كاملة إلى مستوى الجنبين ( من نهاية أصابع اليد اليمني إلى نهاية أصابع اليد اليسرى ( كأجنحة الطير ) ...

الشْبّر : وهو إنفراج أصبعي السبابة والإبهام بكامل إنفراجهما ... وتقاس به الأشياء الصغيرة ...

القَدَم : وهي وحدة قياس لازال يعمل بها في بعض الدول ( وهي موطىء الرِجْل ) ...

وكان مما يشاع قديماً في مجتمع القرية عند الرغبة في شراء اللحوم هو المشاركة في شراء أي نوع من بهيمة الأنعام ... ثم توزيعها عدّة أقسام على عدد المشتركين ... ويساهم على توزيعها وتسمى شِرْكَة ...

كما كان سائد في مجتمع القرية التعاون الدائم في جميع مناشط القرية مثل : بناء المساكن و صرام الزرع
( أي حصّاده ) والفزعة لبناء الثمايل ( الجدران الإستنادية ) بعد السيول وما تحدثه من دمار ومخلفات ...ويسمى
فريق العمل القائم بذلك ( العانة ) ...
والأمثلة كثيرة لا يتسع المجال لذكرها
لكثرتها ... والإختصار على ما يتناسب مع عنوان المقال ...

خلاصة القول إنما تم ذكره يبين بعض صور الحياة قديماً في جميع القرى بالمنطقة الجنوبية بشكل خاص...وقرى المملكة بشكل عام ... والتي بدأت في الإنقراض في ظل التقدم المادي والحضاري والإجتماعي للمملكة في ظل قيادتنا الراشدة ... تحياتي للجميع.

فراج بن حبلّص
 
 0  0  932
التعليقات ( 0 )

جديد الأخبار

أقرت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية مجموعة من التعديلات في نظام استقبال..

Rss قاريء

صحيفة سدوان الإلكترونية | الأخبار
sadawan.com
***