• ×

11:34 مساءً , الخميس 15 نوفمبر 2018

الفساد الخفي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
د. مبروك المسفر 

أجزم أنه لا يُمكن للكثير من المواطنين و أنا واحد منهم من أن يتقدم لأي جهة حكومية أو غير حكومية ما لم يبحث أولاً عن معرفة أو واسطة تُساعده على قضاء حوائجه و إنقاذه من نتائج بيروقراطية الأجهزة الإدارية .... تظل الواسطة جزءاً مُزعجاً من تُراثنا الإجتماعي و الإداري رُغمَّ وجود التقنية و المكننة ، و رُغمَّ إرتفاع مستوى الشفافية لدى الكثير مِن أجهزة الدولة ... هكذا تعود المواطن عن البحث عن واسطة حتى لو لم يكن بحاجتها .
أعلم أن الواسطة تلاشت نوعاً ما بسبب شفافية و صرامة الإجراءات الحكومية ، و أعلم أيضاً أن الأجهزة المختلفة في الدولة و أجهزة القطاع الخاص تعتمد في الأساس على الأنظمة التقنية للتعامل مع مُتطلباتها الرقمية فيما يخص الوظائف و القبول في الجامعات و الكليات المختلفة و الإختيار وفقاً لذلك ، و هذا الإجراء الأولي جميل و مُنصِف للجميع ، إلاَّ أن المُزعج و الذي يخشاه الكثير هو ما يحدث في المراحل اللاحقة التي يخرج فيها القرار من كواليس الأنظمة التقنية المُحايدة إلى كواليس الأيدي البشرية ، و في هذه المراحل بالتحديد تحضر العاطفة و الواسطة و تجد هذه الأيدي البشرية مجالاً واسعاً و مريحاً ( للفزعة) و تقديم من لا يستحق على من يستحق ، و تقديم إبن فُلان أو الذي جاء من طرف فُلان ، و بالتالي يضيع مبدأ ما يُسمى بــ " تكافؤ الفرص " ، هذا المبدأ الذي يُردده المُنظِرون و ينشده المُتحسِرون ، هذا المبدأ الذي لن يتحقق من خِلال أُناسٍ إعتادوا و عاشوا على الواسطة و تبادل المصالح .

الواسطة هي نوعٍ من الفساد الذي لا زال يرفع أقواماً و يُسقِط آخرين ، هذا الفساد الذي يُجهض جُهد المجتهدين و يُخفي قُدرات المتمكنين ، هذا الفساد الذي لا زال عند المنتفعين منه حميداً ، و عند الخاسرون ورماً خبيثاً ، هذا الفساد الذي يقضي على الإبداع و يجعل الكثير من أبناء الوطن يُحبَطون و يُحجمون عن التميز إذا علِموا أن ما يُسمى بفيتامين “ و “ يترصد لهم و يختبئ لهم في إحدى زوايا سكة المنافسة ، هذا الفساد الذي لا يُمكن لأجهزة الرقابة من السيطرة عليه أو كشفه بسهولة ، هذا الفساد الذي لن ينتهي إلاّ بِمبادرة ذاتية ممن يقف خلف مصالح الناس من أصحاب القرار و الإختيار ، مُبادِرة تتخذ العدل و المساواة و الشفافية منهجاً للتعامل مع الجميع ، منهجاً يتجرد من العاطفة و ينبذ المحسوبية و يُلغي مبدأ تبادل المنافع و الخدمات التي تؤدي إلى ظُلْم الآخرين و هضم حقوقهم ، منهجاً ربانياً يُرضي الجميع و يُعطي كُلِّ ذي حقٍ حقه .

و ختاماً ، أرجو أن يأتي ذلك اليوم الذي يستطيع المواطن العادي قضاء حوائجه بكلِّ سهولة و شفافية ، و أن لا يخشى إلاَّ من تقصيره أو ما زرعت يداه .

وفقني الله و إياكم لما فيه الخير و السداد

مبروك المسفر

 
 0  0  522

إشترك بنشرة صحيفة سدوان اﻻلكترونيه ليصلك جديد اخبارنا

التعليقات ( 0 )

Rss قاريء

صحيفة سدوان الإلكترونية | الأخبار
sadawan.com
***