• ×

07:33 صباحًا , السبت 15 أغسطس 2020

موقعة سدوان في العهد العثماني

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
سدوان - عبدالله بن سعيد الاسمري .
.
معركة قوز ابا العير

تحرك الركب الهاشمي من الحجاز في فصل الأسد , في حمارة القيظ فوصلنا القنفذة , والانسان لا يستطيع أن يطأ الأرض الملتهبة كالنار , وليس بالقنفذة من عربان البلاد المجاورة أحد سوى أهلها .

وكان في الصحبة ثلاثة طوابير نظامية , يبلغ عددها ثلاثة آلاف جندي.

وبعد أخذ الأهبة , كانت الحركة نحو ( قوز ابا العير ) وكان فيه قائد للسيد اللإدريسي , اسمه ابن خرشان(1) , ومعه عشائر تهامة . فأمرت أن استصحب معي مائتي خيال والف هجان , مع تلك الطوابير والمدفعية ,

فتوجهنا وكان معي المرحوم الملك فيصل , وحيث أن التدريب العسكري للحركات الليلية كان غير كامل التدريب , فلم تتمكن القوى التركية من قطع المسافة في الوقت المناسب , إلا بعد تأخر تسع ساعات.

فوصلنا الى نقطة بساحل البحر جنوبي القنفذة , بها ماء يستطيع الانسان شربه , اسمه ( ام الدبة ) . وبعد استراحة ثلاث ساعات , توجهنا فأدركنا الزوال , ونحن على طرف سهل صلب من رمل دمث , والبحر بالناحية الغربية , وأمامنا وادي ( يبا ) الكثير الحراج الملتف الأشجار , والجيش يسير ويتقدمه الطابور الأول , ثم الثاني , ثم الأثقال , ثم الطابور الثالث , وعلى الجناح الأيسر القوى الهاشمية والخيل , وعليها الأمير فيصل ( الملك فيصل ) (2).

وكانت القوتان تأتمران بامرتي , وقائد الطوابير الثلاثة هو القائد زكي بك الشركسي . ولدى قدومنا الى ذلك المحل , عاد الينا ضيف الله العبود , أحد الشيوخ , وقد أرسل ــ ومعه كوكبة من الخيل ــ عينا ليكشف ما وراء الحرجة وما بها , فقال انها محشوة بالرجال . وفي تلك الاثناء , واذا البقية من العيون ــ أي القوة الكشافة ــ تعود مسرعة , ثم عادت المقدمة من الهجانة وهي منهزمة متوجهة نحو الغرب الى ناحية البحر , واذا بجحيم من النار يطلق فجأة من تلك الحراج . فأمرت زكي بك بالتوقف , وأشرت عليه بان يسوق الطابور في شكل الصيادة , ويكون الطابور الثاني احتياطيه , وان تقف الأثقال , وان تقف ايضا القوى الهاشمية , فاذا دفعناهم وجاء الوقت المناسب , أمرت القوى الهاشمية بالهجوم , والتعقيب من ناحيتها . فحرر هذا الأمر ووقع منه ومني , وأرسل الى الأمير فيصل والى فواد الطوابير , فسرنا والتحمتا مع القوى الكامنة في الحراج , فدفعناهم وتوغلنا .

وقبل ان يأتي الوقت ويصدر الأمر بهجوم القوة المعاونة , واذا بنا نراهم يهجمون مسرعين , وأن ليس أمامهم إلا زرع يحصد , فقلت لزكي بك:

مر الطابور الاحتياطي يتقدم الى الميسرة , حيث كانت فيه القوة المعاونة , فانني لست آمن عليهم الهزيمة الآن . فقال إنه لا يستطيع ترك القوة الآن , ورجاني أن أبلغ هذا الأمر بذاتي . وقبل ان اتم المحاورة , واذا بالمرافق يقول لي: انظر يا سيدي الى يسارنا فاذا بالقوة المعاونة ترتد لا تلوي على شيء . وقد بلغت الى حيث الطابور الثاني , وكان يقوده اسماعيل بك , فقلت: سر بالطابور وخذ موقعاً الى يسار الطابور الأول , أما القافلة فمرها لترجع الى ( ام الدبة ) , وليكن الطابور الثالث هو الاحتياطي . واذا بالرجل يمسك بعرف جواده يتقيأ , ولم يكن في حالة ترضيني , ورأيت فيه من الجبن ما أزعجني , فكررت الأمر فلم يصغ , واذا بنا نضرب من الميسرة ضربأ مروعاً.

وبعد ثلاثة أرباع الساعة , كان الموقف في غاية الحرج , واذا بفريق من الهجانة , فأنخته بين السبخاء والموقع الرملي , وشرعت أدافع ما استطعت , واذا بأناس من المنهزمين يلتحقون بي , وهم فرسان عرفوا بالنجدة , كفاجر بن شليويح , وحبيليص الشيباني , وفعد العرافة بن سعود , وبعض الأشراف , ثم لحق بي الشريف شاكر بن زيد , ولم يكن لنا منهم الا الثبات لتخليص القوة العثمانية من موقفها القتالى . وبالنتيجة لم يسلم من الطوابير الثلاثة الا سبعون نفراً . ولما أن أعيدت الحملة والمدافع الى أم الدبة , كنت اخر من ترك الموقف , بعد ان قتل ابن خيره(3) أمير الجناح الأيمن للقوة الادريسية . ووصلنا القنفذة في اليوم الثاني بخسارة عظيمة . ولو كر الأدارسة ليلتها او الليلة الثانية , لقضوا على الجميع . ولكن خسائرهم كانت افدح .

كانت هذه الواقعة ( قوز ابا العير ) , والتراجع الذي وقع من القوة المعاونة العربية , السبب الأول في سوء الظن الموجه الينا من باقي قوات الحملة التركية , و اولهم المير الاي نظيف بك . وكأنهم نسوا ما كان يحيق بهم من حركات كهذه , في اليمن وعسير وفي جبل الدروز والكرك وفي كل محل .

وبعد خمسة عشر يوماً , تكررت الحملة بقوات جديدة وردة وأمر على الجميع الشريف زيد بن فواز , وقد صدر الأمر الي بأن اكون أحد أمراء الحملة , فتوجهنا من القنفذة صباحا ووصلنا ظهراً الى ( أم الدبة ) , وكانت القوة التركية هي هذه: ثلاثة طوابير نظامية , كل طابور ثمانمائة وخمسون جندياً , بقيادة القائد زكي بك , وثلاثة طوابير رديف , بقيادة القائم مقام اسماعيل بك , وكان عدد هذه الطوابير الف ومائتي جندي , وطابور آخر اسمه طابور اليمن , لانه جلب من اليمن , يقوده قائد اسمه ضياء الدين بك , وعلى المجموعة هذه كلها الامير الآي نظيف بك . اما القوة المعاونة , فكانت هي هي , خيلها وهجانتها .

فتحركنا وقت الظهر . ولما وصلت القوة محل المعركة الأولى , وكانت الساعة الحادية عشرة غروبية , وجدنا قوة الأدارسة في تلك الحالة الحرجة نفسها , فقابلونا بنار حامية كسالف عادتهم . فقال نظيف بيك للشريف زيد: ماذا تأمر؟ قال: لا أمر لي إلا بعد ان تعرض علي ما تراه أنت , فاذا رأيت ما يجب تنبيهكم اليه فعلت . فالتفت الي وقال: ما رأيك ؟ فقلت: الأمر بالمبيت واستئناف الحركة صباحا , لأني أخشى ان لا تكون الحركات العسكرية ناجحة ليلا , ونح في ارض دغل لا نعرف مخارجها ومداخلها . فقال: تقول هذا من أجل ان يرى الناس , ان سبعة طوابير عثمانية أوقفتها شرذمة بدوية . فجلى عما كان يكتم فقلت له: هذا رأي اكتبه كتابة. ثم التفت الى اليوزباشي أركان الحرب بهاء الدين بك فقال له: ماذا تقول ؟ فقال: اقول إن كل شبر تتقدمه الآن في وقت الغروب والليل مقبل , يسوقك الى الاضمحلال , وإني أضم رأيي الى رأي عبد الله بك . فقال: اكتب الأمر بالمبيت: الآي زكي بك الجبهة . الاي سعيد بك الميسرة . الاثقال في الوسط . طابور اليمن في الساقة . القوة الهاشمية المعاونة الميمنة . فلما كتبه عرضه على الشريف زيد , فوافق عليه وصدق . ثم أمرت بان اكون مع زكى بك في الجبهة , وأن الأمير فيصل ( الملك فيصل ) على القوى الهاشمية في اليمين , وبقي الشريف زيد بن فواز ونظيف بك في مقر القيادة .

فتقدمنا تحت وابل من الرصاص , وقومنا الجبهة من طابورين , ومن كل طابور بلك فئة احتياطاً له , والطابور الثالث احتياطاً للكل . ونظمت الجبهة في شكل مربع: فنحن جبهتنا الجنوب , والآي سعيد بك جبهته الشرق , وطابور اليمن جبهة الشمال , والقوى الهاشمية جبهتها الغرب . وعند إتمام هذا الترتيب , حمل أهل اليمن علينا من الجبهة حملة صادقة , استمرتثلث ساعة وقوبلت بجحيم من النار , فتراجعوا . ثم بعد ربع ساعة , كروا على الجبهة الشرقية , فقوبلوا بمثلها . على اننا كنا في خطر من نار اتت جبهة مكشوفة , فاضطر كل واحد منا ان يعمل له مجثما جنبياً , ولما كف هجومهم علا الصياح في الميمنة , حيث كانت النوبة على القوى المعاونة , فترجرجت ثم كرت , وبعد لأي أوقف الهجوم . ثم كانت الحملة على طابور اليمن , فأمد الاحتياطي العام , ولم تدم هذه الحملة كثيراً , فتراجعوا , وكانت الليلة ليلاء حتى الصبح , فكنت متى سمعت بطلقة من ناحية أهل اليمن , تقابل بمئات الألوف من الطلقات من هذا الجانب , وكنت تسمع الايعاز حالا من الجبهات بالبوق ( اتش كس اتش كس ) ( اقطع النار اقطع النار ) . وبعد الساعة الرابعة , طلبت الى مركز القيادة , فحضرت . واذا بالمرحوم الشريف زيد ونظيف بك يقولان:كانت نجاة القوة هذه نتيجة لرأيك الميمون , فلو سرنا لكنا في خسران عظيم . فقلت: التجرية السالفة هي التي هدت الى ما وقع . فقالا: كيف الجبهة؟ قلت على مايرام , كل جندي قد نال قسطه من العشاء وزود بمطارتين من الماء , فلا خوف ان شاء الله .

ولم نذق تلك الليلة النوم إلا غرازا أو نعسه . ولما أصبح الصبح ونادى منادي الصلاة , بالبوق أولا ثم بالاذان ثانياً , كبر أهل اليمن من كل ناحية , فصلت كل فئة في محلها , ثم جلب الحرس الى مصافه , وقرأ مفتي الجيش سورة الصف , ثم ابتدأت المدفعية تصلي الحرجة ناراً حامية فتمسح الأرض مسحاً . واذا بمسير اليمن يقودها الشيخ بيطري(4) تتقدم على اعلامها , فلما خرجت من الأدغال وتبينت في أرض صحصح , باغتتها القوى الهاشمية بهجوم بالخيل من ناحية البحر , قم أصلتها المدفعية ناراً حامية فاهتزت يمنة ويسرة كشجرة في مهب الريح , ثم ولت الادبار , فاتبعتها القوة الهاشمية الراكبة .

وتقدم الأي زكى بك , وأنا معه , فلما وصلنا الحرجة , لم يرعنا إلا وأهل اليمن بمآزرهم , وليس على ظهورهم من الثياب شيء , غير المحازم والخناجر في أواسطهم , فقابلوا الجيش بطلقة أو طلقتين من كل واحد منهم , ثم استلوا الخناجر وحلو تلك العربية , فاصلتهم القوة التركية ناراً حامية , فوقع الأكثر وهزم من بقي . وكنا حين ذاك نسمع لعلعة البنادق والمدافع من ناحية الآي سعيد بك , ثم أخذت الأصوات تبتعد كل ما تقدمنا , فقال زكى بك: نحن في خطر , حيث تمكن هؤلاء من احداث فجوات بين الميمنة والقلب والميسرة . وحين ذاك كان المقر معه فئتان ومدفعان , وبه الشريف زيد بن فواز والأمير الآي نظيف بك . فقال زكى بك: سآمر بالتوقف , وهذه الشجرة الدوحاء علامة لك , فاذهب الى المقر , وليكن بيننا وبين قوة سعيد بك , التي ينبغي أن تسرع السير حتى توازينا من يسارنا , أما القوة الهاشمية فلا سبيل الى اللحاق بها . فلما وصلت , واذا بالشريف زيد بن فواز , ومعه مائة وخمسون هجانا وأرباب الأسنان من المشايخ والشرفاء , فسألته عن نظيف بك , فقال: تقدم بالفئتين والمدفعين الى الكعدية ــ بئر أبهى ــ واذا بالملك فيصل معه , فلما سألته عن قواته قال: العهد بها يوم أن أغارت . فبعثت بمرافقي الى زكي بك , ومعه من يرشده الى الكعدية , حيث قائد المفرزة والمقر النظامي , وسرت مع ربعي , فلما سرنا نحو خمس دقائق , واذا بنا نخرج الى أرض جرداء فتبينت لنا منها الكعدية , وبها نظيف بك والبلكان الفئتان , تضرب مدافعه بالقذائف الخاصة للرمي من قرب والتي تدعى ( شبرا ).

ولما برزنا وعلم القيادة معنا , ورأوا الهجانة , ترك أهل اليمن نظيف بك وحملوا علينا , فأنخنا ونزلنا , فكانت ملحمة من أفظع ما رأيت , وكان الشريف زيد يصاب أحياناً بالرعاف , ولا يطيق الشمس , وهو واقف وعلى رأسه المظلة البيضاء , فأقول له: ياعم اندرق هنا . فيقول: لو أحببت الاندراق لكنت بالطائف , اصبروا سينكشفون الآن .

وهرع الملك فيصل الى الأمير الآي نظيف بك , ونحن في تلك الساعة الكربة , واذا بحملة الأثقال ومعها طابور اليمن يتصلون بنا , فتقدم ذلك الطابور الشجاع , وانتشر حتى كانت اقسامه اليمنى متصلة بنظيف بك على الكعدية , وأمر الشريف زيد , ومعه الشيخ جابر بن هليل عظيم الثبتة من عشائر عتيبة , الحملة بالتقدم , وصاحوا: يا حاملوه يا حاملوه فحملنا نحن من مرابضنا , والعلم الهاشمي بيد ابن جنيح ــ وكان رجلا طويلا أسمر ــ وكانت الهزيمة على أهل اليمن . ثم أخذت نسمع اصوات الطلقات من ناحية المشرق , فتبين انها قوات سعيد بك وقد أقبلت .

وعند وقت العصر , كنا بقوز ابا العير , وليس من قوات اليمن أحد فقد اضمحلوا وتراجع ابن خرشان الى القحمة . ثم قبيل المغرب , جاء التقرير الطبي الى مقر القيادة , بأن الوفيات اليوم في الجيش بلغت مائتين وثمانين , وان الوباء وباء الكوليرا . وفي اليوم الثالث , نزلت القوة الى ثلثها , وقدم المرحوم الى القوز , ولقد رأيت بعيني رأس الغفير القائم على خيمتي , يقع ميتاً كأن قد ضرب برصاصة . وأصبحت القوى المسلحة التركية الفأ وسبعمائة نفر من سبعة الآف , فأمر بالحركة نحو أبهى , وكلما تقدمنا تناقص المرض . وكانت وقائع , في بارق وفي الثنية , ثم صعدنا الجبل من عقبة ساقين المشهورة , ولما اجتزناها بعد ثالث , أيقنا بالسلامة من شر تهامة وأوبائها .

ثم كانت واقعة سدوان , ثم واقعة اثني خريم , وكان قائد الأدارسة السيد مصطفى الإدريسي والسيد الفصال , وكانت الهزائم تتالى على أهل اليمن . وكانت الفظاعة من الحند التركي , في احراق القرى وتقتيل الأبرياء , السبب الأول في الانقلاب الأخير , حيث قال الأمير: ليس من هؤلاء خير للعرب ..ولقد عرضت عليه أربع مرات جثث شويت على النار شياً , بأن تدخل أعمدة الخيام من أدبارهم حتى تخرج من أفواههم . وقد عرض عليه , في اثني خريم , ست رؤوس وقد قطعت عن أجسادهم , ووضع ............................. , فقال الأمير لنظيف بك: هذا يليق ؟. فأجابه: أليسوا قد حرقوا قلوبنا؟. فسكت .


-------------ملاحظة-------------
(1):ابن خرشان هو الشيخ محمد بن خرشان القائد العام للسيد الإدريسي وشيخ قبائل حلي بزمن الدول العثمانية.
(2):الملك فيصل ابن ملك الحجاز الحسين بن علي الهاشمي.
(3):ابن خيره شيخ قبيلة النواشرة قتل بلحرب .
(4) الشيخ بيطري ) تصحيحه الشيخ بيطلي ابو عطله العامري شيخ قبيلة بني يعلا.
(5):عدد قتلا الجيش العثماني 8910جندي تركي في هذه الحرب.

كتبه
المطوع آل القطبي الحسني اليعلي
المصدر
مذكرات الملك عبدالله مؤسس دولة الاردن ابن ملك الحجاز الحسين بن علي العبدلي الهاشمي
 
 0  0  9.2K2
التعليقات ( 0 )

جديد الأخبار

قامت قبيلة آل سريع يتقدمهم الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله آل عبدالرحمن وأعيان..

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:33 صباحًا السبت 15 أغسطس 2020.