• ×

03:55 صباحًا , الإثنين 25 يناير 2021

الديك الأعمى

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
د.مبروك المسفر 

من تراث سكان القرى والأرياف فيما مضى تربية الدواجن ، ولم يكن يخلو أي منزل من الدجاج ، لأنه الخيار الأسهل والأرخص لتلبية إحتياج الأسرة من اللحم والبيض ، وغالباً ما يكون الإهتمام بتربية الدواجن من قِبل ربات البيوت والأطفال ، وكان كاتب هذه السطور من ضمن الصبيان الذين خاضوا هذه التجربة ، وكانت التجربة في مجملها ناجحة وممتعة لو لم يُعكرها زميلي في هذه الهواية وجاري في السكن ، حيث كان يمتلك من ضمن فرقته ديكاً يصرع ويستذلّ أكبر الديوك لديَّ ، ومع إستمرار هذه الهزائم والإذلال قررت أن أحبس الديك المنهزم في غرفةٍ مهجورة وأغذيه لعله يسمن ويتقوى ويخرج مختلفاً ليهزم الديك المنافس ، وبالفعل أخرجته بعد مُضي شهر من الحبس ، فأنقض عليه ديك صاحبنا وأخذ يصرعه ويفتك به حتى كاد أن يقتله ، ولم يستطع حتى الهرب كما هي العادة ، بل ظل يدور في مكانه والضربات تأتيه من كل صوب ... مسكين الديك ، لقد أصابه العمى بسبب حبسه في الغرفة المظلمة ، وبالتالي فَشِلَت الحيلة وخسرت المنافسة .

تذكرت هذا الموقف و نحن نخوض تجربة التعليم عن بُعد وخاصةً لطلاب التعليم العام ، ومع أن التجربة حظيت على الكثير من الإهتمام والتجهيز من جميع أطراف المنظومة التعليمية ، إلّا أننا لا نُنكر أن الفاقد التعليمي للكثير من الطلاب كان مرتفعاً ، ناهيك عن الجانب النفسي والشخصي الذي تلعب المدرسة الواقعية التقليدية دوراً مُهماً في بناء شخصية الطالب وتأقلمه مع مجتمعه .... ففي المدرسة يتقيد الطالب بضوابط العملية التعليمية وبالتالي يتعلم الإنضباط وإحترام النظام والوقت ، وفيها يحتك مباشرةً بالهيئة الإدارية والتعليمية وبمجاميع الطلاب ليكتسب بعض المعارف والمفاهيم والسلوكيات الإيجابية التي لا يجدها في المناهج ، وفيها يشعر الطالب بالإرتياح النفسي والعاطفي عندما يلتقي بأصدقائه الطلاب ويتحدثون عن ميولهم وأمنياتهم وأهدافهم ويتشاركون المشاعر والأحاسيس ، وفي المدرسة الواقعية يتعرض الطالب إلى بعض المواقف التي يتعلم منها الصح من الخطأ فيُكَوّن منها الخبرات التي تُمكنه من مواجهة مواقف مستقبلية مُشابهة ، ومن محاسن المدرسة الواقعية أيضاً تعرض الطلاب لأشعة الشمس التي هي المصدر الأساسي لفيتامين “ د “ ، إذا علمنا أننا من أعلى شعوب العالم نقصاً في هذا الفيتامين .

وختاماً ، لا شك أن الطالب يظل يتعلّم ويبني خبراته من لحظة خروجه من المنزل حتى عودته من المدرسة ، وأرجو أن تعود الأمور إلى طبيعتها ويعود الطلاب إلى المدارس حتى نتجنب تجربة الديك الأعمى .

وفقني الله وإياكم لما فيه الخير والسداد

 
 0  0  1672
التعليقات ( 0 )

Rss قاريء

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:55 صباحًا الإثنين 25 يناير 2021.