• ×

06:09 مساءً , الأحد 12 يوليو 2020

البائع الكفيف

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
د.مبروك المسفر 

البصر أحد الحواس الخمس التي ندرك به ما حولنا و نتدبر به أمور حياتنا و معايشنا ، و هو نعمةٌ عظيمة لا يعرف فضلها إلَّا من إفتقدها ، و رُغمَّ أهمية البصر لإكتمال مقومات نجاح الإنسان في تسيير شؤون حياته العملية و العلمية ، إلَّا أن هُناك نماذج لم يكن فقدهم للبصر عائقاً لنجاحهم و إبداعهم في كثيرٍ من المجالات ، و النموذج الذي سأتطرق له في هذا المقال لم يكن عبقرياً مُبدعاً في العلوم الشرعية أو الأدبية أو غيرها ، بل كان كادحاً مُكافحاً يضرب في الأرض يبتغي فضلاً من الله ؛ و شخصيتنا في هذا المقال ، هو ذلك البائع المتجول الكفيف الذي يتذكره الكثير من جيلي و ما قبل ... شابٌ أسمر ولد كفيفًا كما علمت لاحقاً ، ولكن الله عوضه بالعزيمة و الذكاء فأمتهن البيع و الشراء في الكماليات الخفيفة من خلال التجوال ، فكان ينطلق من تهامة مقر إقامته إلى السراة عبر طُرقٍ جبلية وعرة لا تخلو من المخاطر على رجل كفيف يسلكها لوحده إلَّا من حماره الوفي الذي يركبه و يحمل عليه بِضاعته و دليله إلى القرى و الأسواق و بوصلته التي تقوده إلى مسجد أي قرية يقصدها ، و كُنّا نعجب من ذلك الرجل و نحن صغارًا ، كيف يصل إلى مسجد قريتنا عبر تلك المسافات ثُمَّ يقوم بإنزال بِضاعته عن حماره و صفها و ترتيبها للعرض بكل حرفية تفوق ما يفعله المبصرون ، ناهيك عن جدارته في البيع و التعامل مع الناس و براعته في التمييز بين مختلف الأوراق النقدية عندما يتفحصها بيديه و قدرته أيضًا على تقدير ثمن السلع بما يُقابلها من حبوب القمح من خلال تحسس النوعية و تقدير الكمية ، ثُمَّ بقيامه بجمع كميات الحبوب التي كسبها و بيعها في سوق إثنين بللسمر أو سبت تنومة ... عجيب ذلك الرجل الذي كان يجوب قُرى الحجاز و أسواقها طلباً للرزق و لم تكن إعاقته سبباً يجعله يقعد في منزل ذويه ينتظر من يعوله .
و ختاماً ، تذكرت ذلك الرجل الكفيف عندما وصلني مقطعاً مصوراً له و هو لا يزال يبيع و يشتري في متجرٍ له بسوق محائل و قد بلغ من العمر عتيا ، و تذكرت شباب اليوم الذين يتمتعون بحواسهم و كامل صحتهم و قد تهيأت لهم كل المقومات و فرص التعليم و العمل و الكسب ، إلَّا أنهم يُعرِضون عن العمل و طلب الرزق في أي نشاط مشروع لأسباب واهية ... المحظوظ من رُزِق البصر و البصيرة .

وفقني الله و إياكم لما فيه الخير و السداد

 
 0  0  1722
التعليقات ( 0 )

جديد الأخبار

تخيل وأنت تخرج من باب منزلك ذات صباح فتجد عند المدخل كومةً من المخلفات ، فماذا..

Rss قاريء

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:09 مساءً الأحد 12 يوليو 2020.