دور الأعيان أو الوجهاء في بناء المجتمع

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
عوض بن سعد الأسمري : 

مما تجدر الإشارة إليه أنهم كانوا يعتبرون الأعمدة الأساسية في بناء المجتمع القروي في البلد أو القبيلة
وهم الأفراد الذين لهم قبول ولهم قيمة في مجتمعهم ومكانة مرموقة ورأيهم مقدر ومحترم ويتقنون فن التعامل مع الناس وهم يلون المشائخ وكبار الجماعة والنواب من حيث الاحترام والمكانة الاجتماعية ويستأنس الجميع بآرائهم في حل المعضلات وكثير ما يلجؤون إليهم في حل الكثير من المشكلات .

أو هم الأشخاص الذين عرف عنهم أنهم يتصرفون في مسيرة حياتهم اليومية في التعامل مع الآخرين من خلال العقل بعيداَ عن العاطفة أو التعصب الأعمى . أو هم مجموعة من أبناء المجتمع لهم خصائص تميزهم عن أبناء المجتمع الذي يعيشون فيه وتظهر هذه الخصائص في صورة الكرم والغناء والعلم ويشار إليهم على أنهم رموز لهذه الخصائص في ذلك المجتمع الذي يعيشون فيه ويؤخذ بآرائهم *في شؤون مجتمعهم .

والوجاهة لها صور متعددة أو هم الذين كانت الأعراف والعادات والتقاليد تعطيهم مقام كبير بين أبناء المجتمع في القبيلة أو البد أو القرية ومكانتهم تساوي مقام ومكانة كبير السن ورأيهم في معظم الأحوال قد يمثل وجهة نظر الأسرة أو الجماعة أو القبيلة التي ينتمون لها ، ويعملون على إيصال رسالتهم ويدعمونها ويدافعون عنها ولهم قبول وقدر واحترام عند ربعهم أو جماعتهم وكلمتهم مسموعة ومقدرة ومحترمة ويعتبرون من أهل المروءة والشهامة والطيب والخير والوقار ، يحضون بالحضوة والتقدير والتقديم فهم يرتقون بما يقدمون من خير بغض النظر عن سنهم .

وهذا الوصف يخصهم دون غيرهم لأن لهم مواقف ثابته بما يؤدي إلى تعاضد المجتمع وتكاتفه وتنميته ولهم دور كبير في حراسة القيم والأخلاق والأعراف والعادات والتقاليد فهم الذين يدركون حجم المسؤولية في مجتمعهم ويطرحونها للنقاش البناء مع الكبار والصغار ويديرون الحوار ويطرحون الآراء بكل صدق وأمانة ويستقبلون الآراء المخالفة وبدون مجاملة ولا يستثنون أحد في الحوار والنقاش مع عموم أبناء الجماعة ويأخذون بالنصيحة والمشورة ويحسنون توقيتها ولا يستنكفون المشورة لأن فيها قدر من الموضوعية وإذا أخفقوا عذرهم المجتمع لأنهم استشاروا والمشورة تجلب لهم صواب رأي غيرهم ، ولا يحقرون الرأي الجليل ولا يستأثرون بآرائهم ويبتعدون عن الزلل في جميع تصرفاتهم وسلوكياتهم يقبلون عذر من أعتذر ويعلون من شأنه ويشكرونه ويحفظون الأسرار ولا يفشونها ،ويتجنبون كثرة العتاب متأسين بقول الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال : { لا تكثر العتاب فإن العتاب يورث الضغينة والبُغْضة وكثرته من سوء الأدب } .

ويدركون محذورات الأمور ومحاسنها وعواقبها ويستطيعون أن يميزوا بين الآراء ويستخلصون الرأي الأكثر صواباً ويتجنبون أهل الهوى ويقابلون الإساءة بالإحسان لهم ضمائر حية يُعْمِلونها في التخطيط والرأي السديد والرشيد الذي يعود بالسلام على كل من حولهم *فهم الأقرب للوصول إلى كل خير والاستفادة منه وقطف ثماره بما يعود بالخير على المجتمع بأكمله مما يعطي لهم دور مميز في التوصل لحلول لكل الأمور التي تطرأ وتخص الشأن العام للقبيلة أو للبد أو للقرية وكانوا يمثلون الركيزة الأساسية لأهل الحل والعقد في القرية أو البد أو القبيلة ولهم خصائص كاريزمية عند أبناء المجتمع ولهم قبول وقدرة عالية على الإقناع جعلتهم مميزين عن غيرهم في فن الكلام والخطابة وحسن المنطق والخلق وبعد النظر لديهم عزيمة وقوة على الصبر *ولهم أفق واسع في اتجاه رأسي وأفقي عندما يتعاملون مع من حولهم، ويتعاملون بواقعية مع المفاهيم والمواقف التي فيها ضبابية فيتعقلون ويلتمسون الأعذار بشيءٍ من الوعي والتروي ويأخذون العبرة من أخطاء وتجارب غيرهم ويتحملون أخطائهم بكل شجاعة ويدفعون ثمن عواقبها مهما كانت باهضه .

مما جعل الناس يضربون لهم الأمثال مثل { فلان وجه وجاه } وقرارتهم لا تفعل إلا بعد أن تخضع للتشاور والتفاوض بهدف الوصول إلى القرار الذي يكون أقرب إلى الصواب وكانوا يهتمون بالأمور التي تعزز وجود المرء في القرية أو البد أو القبيلة بما يوقظ الههم الغافلة ويحفز الأحاسيس الكامنة حتى يميز المرء بين الأفعال الحسنة والأفعال السيئة ويستخلصون العبر في معالجة الأحداث اليومية والآنية من خلال الاستفادة من الخبرة التراكمية للأجداد والآباء بما يؤدي إلى إيقاظ ضمير الفرد والأسرة والمجتمع نحو الالتزام بالقيم والأسس الشرعية في البناء الأسري والاجتماعي داخل القبيلة أو البد أو القرية لأن الآباء والأجداد في عموم بلاد بللسمر كانوا يرسمون للأبناء منهجاً يسيرون عليه في حياتهم العملية ويتوارثونه مما جعل أبناء المجتمع يدركون دور الوجهاء والأعيان فكانوا يحترمونهم وينصاعون لرؤيتهم في أي شأن ويتعاملون معهم بصورة إيجابية بما يؤدي إلى الارتقاء بالدور الوظيفي لأبناء المجتمع القروي أو القبلي في ظل المتغيرات مع مرور الزمن .

ويتأسون بقوله تعالى :{ وأمرهم شورى بينهم } وقوله تعالى : { وشاورهم في الأمر } يبتعدون عن الرأي الذي تشوبه مجموعة من الثغرات فيتبادلون الآراء ويجرون الكثير من المفاوضات والمشاورات بهدف ترميم وتصويب الرأي الصائب وتنقيته وتحصينه من الأخطاء والثغرات ، بحيث يكونون قريبين من الرأي الصائب أو من الرأي الأقرب للحق والأبعد عن الخطأ أو الأقرب للصواب .

ويتميزون بأنهم شديدين البأس والعزيمة أفعالهم تترك أثر إيجابي يخطف الأنظار والأبصار مما جعل لهم هيبة ووقار ومكانة تميزهم عن عموم أبناء المجتمع في القبيلة أو البد أو القرية .

كلامهم ورأيهم يحسب له شيخ أو نائب القبيلة أو البد ألف حساب ولا يحق له أن يتجاوزهم إذا لم يقنعهم بوجهة نظره في أي شأن يتعلق بالمصلحة العامة في المجتمع الذي يرأسه .

فإن آراء الرجال وتجارب الرجال هي خير كنوز وهم الذين يحسنون جمع كلمة الجماعة على اختلاف وجهات نظرهم ويسعون إلى دمجهم للعمل بروح الفريق الواحد يُعْلُون من المصلحة العامة ويقدمونها على مصالحهم الشخصية أو العائلية ، ومواقفهم وتصرفاتهم يحتسبون عليها الأجر من الله ويصبرون على الأذى والمشاق على اعتبار أن الشجرة المثمرة تتعرض للرمي بالحجارة أكثر من غيرها .

ومع ذلك نجد أنهم لم يتخلوا عن مسؤوليتهم بل كانوا يوجهون أبناء المجتمع القروي أو القبلي على تحمل المسؤولية والشجاعة والاعتماد على النفس بما يعزز شخصية أبناء القرية أو البد أو القبيلة وضرورة المشاركة الجادة والفعالة في تأمين احتياجات المجتمع القبلي وكانوا يحملون هم ربعهم أو جماعتهم أو قبيلتهم وهم الحفاظ على الدين والأعراف والعادات وكانوا يستشعرون المسؤولية تجاه مجتمعهم في مختلف المستويات وبما يخدم المصلحة العامة *ويدعم الأمن وصمود المجتمع ويؤمن احتياجاته من الغذاء والملابس داخل الحيز الجغرافي الذي يعيش فيه .

ونخلص إلى أن الوجاهة الناجحة كانت تخصص لمن يملك الضمير الحي الذي يوجهه بحكمة وتروي في كل ما من شأنه أن يفيد المصلحة العامة للمجتمع الذي يعيش فيه لدرجة أن البعض كانوا يعدونهم صوت المجتمع الحي في القرية أو البد أو القبيلة أو المدينة أو المنطقة .

أما اليوم فإن واقع الأعيان أو الوجهاء قد تغير عن ما كان عليه في السابق . فقد أدت الطفرة التي شهدتها بلادنا إلى تراجع في دورهم مع الهجرة التي شهدتها القرى والبدود والقبائل ومع انتشار التعليم والتغير في المستوى المعيشي والصحي والاجتماعي للأفراد وعموم المجتمع مما أدى إلى إهمال وتغير في المفاهيم الاجتماعية والسياسية .
رغم أن المكون الأساسي في الحيز الجغرافي لا يزال قائماً إلا إن دورهم تراجع لصالح جهات ومؤسسات وأدوار أخرى ورغم أن أجدادنا وآبائنا قد أورثوا لنا خلاصة تجاربهم وتفاعلهم المكاني والزماني لكل جيل عبر الأزمنة المتعاقبة ،

فجعلوا للمجتمع في القرية أو البد أو القبيلة رموز يحضون بالاحترام والتقدير إذا أحسنوا التعامل مع أبناء المجتمع الذي يعيشون فيه من خلال صيانتهم للحق أو دفعهم عن الخطأ من خلال إيقاظ ضمير الفرد أو المجتمع وذلك من خلال تفعل الوعي الجمعي بما يعود بالخير ويضئ الطريق لمن ظل ويحفظ وحدة المجتمع . ورغم أن هذه المعطيات كانت موجودة ومفعلة إلا إن رياح التغيير قد أدت إلى تغير في واقع المجتمع القروي والقبلي في عموم بلاد بللسمر مع الأخذ في الاعتبار أن لكل جيل نظرة مختلفة عن الجيل الآخر .

وقد تغير وتراجع دور الوجهاء والأعيان بصورة متدرجة مع استحداث الإدارات المحلية والمحاكم الشرعية وانتشار وسائل الإعلام فأصبح دورهم محدود بالمقارنة مع الماضي القريب من حيث توجيه المجتمع وتحريكه *فقد تغير المعيار الذي يحدد الوجهاء حيث كان معيار الوجاهة ينصب على المرء الذي يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ومن المشهود لهم بالحكمة والحنكة والدين والعقل الراجح والاستقامة ومِنْ مَنْ لهم مساهمات في مساعدة المحتاج وحل النزاعات بروية وحكمة وأصبحت الوجاهة تطلق على من يشغر منصب وظيفي مرموق أو من يملك الأموال أو من تربطه علاقات بمسؤولين وشخصيات مشهورة فالكثير في الوقت الراهن ممن يصنفون على أنهم من الوجهاء أو الأعيان اهتماماتهم لا تتجاوز الجلوس في صدور المجالس الفارهة كي يتجاذبون الحديث بما يخدم مصالحهم الخاصة قبل المصلحة العامة .
أو يتسابقون على الظهور في مقدمة العرضة في الأعراس والأفراح أو لمن يجلسون في الصف الأول في الاحتفالات أو المناسبات هذا إذا لم يتشاجروا *أو يكيدوا لبعضهم البعض ويتجاهلون أو يهمشون حقوق الناس أو ينشغلون بمصالحهم الخاصة على عكس وجهاء الماضي القريب الذين كانوا يقدمون المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ويلعبون دور مهم في توجيه قيادة المجتمع المحلي ويظهر دورهم عندما يتنحى الكبار عن دورهم ولا ينساقون وراء أصحاب الأهواء أو وراء كل ناعق حتى لا يفقدون مصداقيتهم أمام المجتمع وأمام الجمهور مما جعل الناس يصغون وينقادون لهم ، فكان دورهم بناء وفعال في بناء جسور التعاون والتعاضد الذي يجعل المجتمع لحمة واحدة وكيان واحد .

ورغم أن دورهم كان يفوق نصيب الأسد في تفعيل الحركة والحياة داخل المجتمع القروي أو القبلي إلا إن واقعنا الآن مؤلم وشتان ما بين الأمس واليوم ومسؤولية التغير تقع على عاتق الجميع من الحاكم والمحكوم والمجتمع بشكل عام فكل شخص معني بإجاد حلول لهذا التغير بحيث يصب لصالح النهوض بالمجتمع من خلال تصويب أهداف مسارات المجتمع نحو الاهتمام بالمصالح العامة وتقديمها على المصالح الخاصة في مختلف مناحي الحياة بحيث يتعزز الولاء والانتماء للمجتمع لإشباع حاجاتهم وحل مشاكلهم ويتعاونون ويتكاملون على استغلال الثروات والإمكانيات التي تتوفر في الحيز الجغرافي الذي يقيمون فيه .

ويخططون لها على المستوى القروي والقبلي المحلي وفي عموم المنطقة بحيث يشاركون بما يملكون من وعي في عملية التغير الاجتماعي والسياسي فيوازنون بين المصالح التي تحفظ التوافق والتكامل في العلاقات الاجتماعية القائمة على المبادئ الاسلامية والاعراف والعادات القبلية لما لها من دور كبير في تماسك المجتمع بحيث يجعلونه متواصل بطريقة تفاعلية تكاملية .

فعندما كان الوجهاء أو الأعيان يتصرفون ويمارسون سلوكياتهم بطريقة رشيدة تتشابه مع حامل المصباح الذي ينير الطريق لنفسه ولكل من حوله ويكون أثره واضح بصورة رائعة عندما يكون الظلام دامس . ولذلك نطمح إلى أن تعود الصورة المشرقة للوجهاء أو الأعيان فيحملون مصباح بناء المجتمع على أسس صحيحة .

ويُعْمِلُون عقولهم بعيداً عن التعصب والأنانية والأهواء الخاصة بحيث تكون نظرتهم ثاقبة في تأمين مستقبل مجتمعهم في القرية أو البد او القبيلة من خلال تخطيط متزن ومتكامل يتواكب مع تطلعات حكومة خادم الحرمين الشريفين ويفضي إلى تقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة في مختلف مناحي الحياة .

والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه .


 
 0  0  1.9K2
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:34 صباحًا السبت 19 سبتمبر 2020.