المفهوم القيمي والاجتماعي لكبير السن وكبير الجماعة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الاستاذ/ عوض بن سعد الأسمري 

المفهوم القيمي والاجتماعي لكبير السن وكبير الجماعة :
هو المرء الذي يكبر أقرانه الذين يعيشون معه أو يعيش معهم أو يرافقهم في الحل والترحال *بغض النظر عن من يكون . أو هو المرء الذي يكبر أقرانه وتفاعل مع المكان والزمان وتكونت لديه خبرة مع مرور الزمن في مختلف مناحي الحياة ضمن الحيز الجغرافي الذي عاش فيه .
وله حق الاحترام من الجميع حيث أن احترامه وتقديره وتوقيره من أبجديات الأعراف والعادات في عموم مجتمع بللسمر لدرجة أن احترام عموم المسنين من الاتيكيت في الأعراف .
فقد توارثوا الآباء والأجداد مراعاة فارق السن في أي اجتماع فلا يتكلم المرء إلا إذا تأكد أنه لا يوجد في الحضور من هو أكبر منه ولا يجلس ومعه من هو أكبر منه .
يراعون فارق السن بينهم وينزلون الكبير منهم منزلته ويبتعدون عن الكلام الذي يجرحه ويعاقبون أو يتبرؤون مِنْ مَنْ يعتدي على كبير السن بالقول أو الفعل أو الإشارة أو التلميح أو من يتجاوز حدود التقدير والتوقير لكبير السن .
وكانوا عموم الناس يعترفون بفضل الكبار فيقدمونهم ويوقرونهم على غيرهم في المجالس ويعلون من مقامهم اعترافاً بحقهم ومكانتهم ويحسنون التصرف معهم ويقيمون لهم وزناً فيقدمونهم في الزحام وفي مجالس العلم وغيرها ويقدمونهم في الكلام ويصغون إليهم عندما يتحدثون ويناقشونهم بأدب وسكينه ولطف ينادونهم بآدب وهذا السلوك لم يأتي من فراغ بل كان بفضل توارث تربية النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه وكان المرء لا يتكبر بعلمه على من هو أكبر منه .
وفي الوقت نفسه يعظمون كبير السن ويقدمونه على صاحب العلم والحاكم بينهم فيما يطرأ وهذا يدل على سمو مكانتهم .
فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرفض أن تطول الصلاة الجماعية مع حبه وتعظيمه لقدرها حتى لا يشق على كبار السن فقواهم قد تكون غير قادرة على التحمل وهم بحاجة إلى اللمسة الحانية والكلمات الرقيقة فقد أفنوا زهرة شبابهم في خدمة مجتمعهم وهم الأكثر خبرة ودراية وحكمة ومقامهم له وجاهة فإذا التقوا بهم أعطوهم حقهم من السلام والاحترام والتوقير وأشعروهم بأنهم سادة *القوم وكلامهم محترم من الكل حتى ولو كان فيه خطأ وهم بذلك يستشعرون أهمية احترام كبير السن ويجعلونه تعبداً لله .

متأسين بهدي النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام من خلال الأحاديث التالية :
عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا } .

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه }

وقال بكر بن عبدالله المزني رحمه الله تعالى : إذا رأيت من هو أكبر منك ، فقل هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني . وإذا رأيت من هو أصغر منك ، فقل : سبقته إلى الذنوب والمعاصي فهو خير مني .
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم ، وحامل القرآن غير الغال فيه ولا الجافي عنه ، وإكرام ذي السلطان المقسط } .

وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { البركة مع أكابركم }. *ويروى أنه كان في يد النبي صلى الله عليه وسلم سواك فأراد أن يعطيه بعض من حضر ، فقال جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم { كبر كبر } .

أما كبير الجماعة :
فهو المرء الذي تتوفر فيه الحكمة والرأي وبعد النظر وحسن التصرف ويحظى بالاحترام والتقدير وله حقوق المحامي الذي يمثل أمام المحاكم الشرعية ولكل أسرة في القرية أو البد رجلاً يسمونه الكبير وهو يمثل الأسرة مع بقية الأسر فيما يدور داخل القرية أو البد أو القبيلة .
وهناك مستويات للكبير فهناك كبير الأسرة وكبير الجماعة وكبير البد وكبير القبيلة وكلاً منها معترفا به في مستواه وله حق تمثيل مستواه في قضية أو مهمة ما سواءً كان التمثيل بصورة مؤقته أو دائمة وله صلاحية واسعة تشبه الوكيل أو المحامي أمام المحاكم الشرعية .
أو هم الأشخاص الكبار بعقولهم وصبرهم وحكمتهم وخبرتهم ودرايتهم بأحوال وأعراف وسلوم وعادات وتقاليد المجتمع الذي يعيشون فيه ولا يكون العمر هو المقياس الوحيد لاختيار هؤلاء فهناك الفهم والقدرة على التفاعل والإقناع رغم أن المثل الشعبي السائد يقول ( أكبر منك بيوم أعرف منك بسنة ) .

ولذلك يعتبر عامل السن هو العامل المقدم في اختيار كبار المجتمع صغر أو كبر .

والكبير بمثابة الوكيل يتكلم باسم الأسرة أو الجماعة أو القرية أو البد أو القبيلة ويتمتع بأنه مفوض يتكلم باسم مستواه *وله حق القبول والرفض والاستئناف والاحتجاج والاعتراض بوجود موكله أو بغيابه .
والمرء في القبيلة أو البد أو القرية أو الجماعة أو الأسرة له كبير يمثله في أي شأن من شؤون الحياة وعندما تنشأ قضية بين طرفين فإن المرء من المتخاصمين يقول أنا أمرئا مكبور والكلام في قضيتنا لا يصح إلا بحضور كبارنا والكبير لكل منهما يتكلم باسم الطرف الذي يمثله .
وكلام كبارنا الذي أسسوه لا يهدمه أحد وإذا استقر رأيهم على هدم أساساً فلا أحد يتجرأ على رفعه . وقرار وقول الكبير هو القول الفصل وله احترام وكل طرف يلتزم بما يصدر عنه من أقوال وأفعال .

وصلاحية الكبير مفتوحة ويعتبر مفوض من المستوى الذي يعتبره كبير له . وعندما يغيب الكبير عن الحضور *في أي قضية فإن الطريق يظل مفتوح لإثارتها مجدداً ، فالكبير الغائب له حق المطالبة بنقض القرار إذا صدر إلا إذا كان لصالح الطرف الذي يمثله لأن الأعراف لا تقر التصرفات التي تحدث بدون موافقة الكبير وتعتبر باطلة إذا ما فُعلت المطالبة .

وكان الكبير يؤثر مصلحة المجتمع على حساب مصالحه الخاصة ويقتطع من الزمن المخصص لأهله لصالح الزمن المخصص لخدمة أبناء المجتمع في القرية أو البد أو القبيلة للإصلاح بين الناس دون أن ينتظرون عوض أو ثناء ويؤثرون *تقديم حقوق الآخرين على حقوقهم الخاص .

ويقدمون *النصح لأبناء المجتمع في مختلف مناحي الحياة ويسعون *إلى ترغيب الناس في العمل الجماعي الذي يؤمن حاجة المجتمع ويعتبرون ذلك من أرفع درجات البر والتقوى .

ومنهم من أخذ على عاتقه مطالبة الجهات الحكومية بتنفيذ العديد من المشاريع التنموية في مجال الخدمات مثل الطرق والأمن والمدارس والجامعات ومراكز الرعاية الصحية والمستشفيات .. ومقرات الدوائر الحكومية

وجهودهم كانت تتناغم مع تطلعات ولاة الأمر في مختلف ميادين الحياة . وكثير من هؤلاء لهم بصمات واضحة على مستوى القرية أو البد أو القبيلة أو القبائل والمجتمع بشكل عام فكانوا يسعون إلى بناء المجتمع ووقايته من الوهن ويتفاعلون مع قضاياه بإيجابية ولا يمنون بجهودهم على أحد وحق علينا أن نشكر الأحياء منهم وأن نترحم على الميت منهم . *

فقد روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من لا يشكر الناس لا يشكر الله } رواه الترمذي وأبو داوود . *

ومما لا شك فيه أن الوعي الجمعي للناس يتغير سلباً وإيجاباً مع مرور الوقت متأثرين بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإعلامية .

ومن يتأمل وضعنا في العقود الماضية والحالية يدرك بما لا يدع مجالاً للشك أن هناك تحسن في المستوى المادي والمعيشي والتعليمي والاقتصادي بوجه عام بصورة غير مسبوقة يقابلها تراجع في الحفاظ على القيم الأخلاقية فقد قل الاحترام وتراجع دور المرء الكبير عن ما كان عليه في السابق وطغت الأنانية واستشرت المجاملة على حساب الحق والحقيقة والمصلحة العامة وتمادوا الناس في اتباع هواهم وبعضهم ضرب عرض الحائط بالقيم الإسلامية والأعراف القبلية مقابل أن يحقق هواه في كثير من المجالات أو مقابل سعيه في الحصول على الزعامة فبعضهم حاول أن يصادر حق الناس كي يصل إلى هدفه فتجاوز احترامه للكبير وهناك من وصل به الحد إلى أن قال: *إذا فيه اجتماع لبللسمر فإنه لا يحق لأحد أن يتكلم إذا فيه سفيه من آل فلان !!! .

ولا ندري ما هو سنده العرفي أو الشرعي أو النظامي فيما وصل إليه . *وهذا منحى خطير له أثر سلبي على المدى القريب والبعيد وقد قوبل هذا التصرف بشيء من الامتعاض والرفض المطلق ممن لديهم العفة والكرامة باعتبار أن الناس متساوون في الحقوق والواجبات وليس لأحد فضل على أحد ونُنَوه إلى أولي الألباب والعقول النيرة من الجيل الحالي والأجيال القادمة أن يستشعروا مسؤوليتهم تجاه رعاية حق المرء الكبير في السن على مستوى مجتمعهم في القرية أو البد أو القبيلة ولا يتركون مجال لأهل الهواء لتمرير مزاعمهم القائمة على الكذب والادعاءات الباطلة .

لأن ترك مثل هذه التصرفات تستجلب الضغائن وتتراجع المودة والألفة وتنتشر البلبلة وتفقد الثقة ويدخلون أهل المصالح والحسد والنفاق كي ينقلون كلمة فتصيب مقتل . وليس أمامنا إلا اتباع موقف الحق والحقيقة والأفعال البناءة *والإيجابية التي تخدم المصلحة العامة وتفضي إلى إيجاد حلول للمشاكل القائمة ومحاربة أسباب نشؤ المشاكل .

كما ننوه إلى أنه يتوجب على أولي الألباب والعقول أن يصموا آذانهم عن سماع أباطيل أهل الهواء أو التمييز بين كلامهم وما فيه من حق وصواب ويتفاءلون بالخير والرضا ويؤمنون بالقضاء والقدر ويسارعون إلى الصفح والتسامح ويظهرون حسن النية ويتخلصون من الأحقاد والأفكار السيئة ويمجدون الأعمال الخيرة ويرفعون من قيمة صاحبها ويدينون له بالفضل ويشكرونه ويتناسون المواقف التي تصدر عن بعضهم البعض ويحسنون النية ويحفظون حق الكبير والصغير ذكر وأنثى كي تعم السعادة *وتسود بينهم روح الأخوة والتضحية والتكافل مما يشعر أبناء المجتمع بأن بنائهم إيجابي ويعود بالفائدة على الفرد ثم الأسرة والجماعة والبد والقبيلة والمجتمع بشكل عام وليس له أضرار .

وتكون أكثر إيجابية عندما تكون العلاقات الإعلامية قائمة على تفعيل المبادئ والقيم التي يسير عليها المجتمع من خلال المنهج التعليمي لكونه الرابط بين الأجيال المتتالية باعتبارها علاقات حيوية وأساسية لا يمكن إغفالها عندما يكون هناك تخطيط للبناء الاجتماعي المستقر والمستمر والمتماسك .

مع عدم إغفال مطالبة صانعي السياسات الاجتماعية والاقتصادية بوضع استراتيجيات وطنية تأخذ بعين الاعتبار الأولويات بحيث تعيد لكبير السن وكبير الجماعة حقه من الاحترام والتقدير وتوفر له الرعاية والاحتضان الاجتماعي الذي يحفزهم على تقديم خبراتهم للمجتمع المحلي .

وسبحان الذي علم الإنسان مالم يعلم .


 
 0  0  1.5K2
التعليقات ( 0 )

Rss قاريء

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:54 مساءً السبت 26 سبتمبر 2020.