• ×

12:57 صباحًا , الأحد 24 سبتمبر 2017

"أسماء" والوحدة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط


أسماء" فتاة ذكية، تقرأ كثيراً، وتطرح الأسئلة تلو الأسئلة من أجل صالح مجتمعها ونموه وازدهاره.. وتوجت ذلك بثقافة عميقة في قضايا الدين الإسلامي والفكر المعاصر؛ إذ تقرأ بنهم ووعي، وساعدها وجود أب يشجع أبناءه على الحوار، ويستمع إليهم، ويسمح لهم بطرح الأسئلة دون خوف أو تردد، ويمنحهم الثقة ليقولوا ما يستحق التساؤل.



"أسماء" بعد كل هذا الوقت الذي قضته في القراءة - رغم تخصصها العلمي في مجال الحاسب الآلي - شرعت في تأليف كتاب، يتضمن موضوعات تأخذ من وقتها الكثير، وترى أهميتها لتنوير المجتمع، وبخاصة في قضايا العنف ضد الطفل، والعنف داخل الأسرة؛ إذ رأت المجتمع يمارس أعرافاً وتقاليد وسلوكيات لا تتفق مع ما قرأته من هدي الإسلام الحنيف وتعاليمه. وكان من ذلك موضوعات عن المرأة وحقوقها، والتمايز القبلي والطائفي والمناطقي، والتفرقة بين أفراد المجتمع الواحد. "أسماء" انتهت من كتابها، وأرسلت نسختين لأستاذين في جامعة الملك سعود؛ ربما لتحكيم الكتاب والاستفادة من خبرتهما. وهذه نظرة عميقة بعيدة الهدف.



كما بدأت بالتحدث مع دار نشر لطباعة الكتاب، وهي في كل الحالات تواصل اتصالاتها ونشاطاتها مع جمعيات حقوق الإنسان والعاملين في مجال حقوق الطفل وحقوق المرأة. وفي يوم من الأيام خططت الأسرة لقضاء الإجازة في دبي، ولكن أسماء اعتذرت؛ لأنها تريد إنهاء الكتاب، وقبلت بالذهاب بإلحاح من أختها أفنان. وفي طريق العودة إلى الرياض بعد قضاء الإجازة كانت "أسماء" و"أفنان" وإخوانهما الثلاثة في سيارة واحدة، وكانت إحدى الشركات تنفذ توسعة في الطريق الذي كان ذا أربعة مسارات؛ وأقفلت مسارين في جزء من الطريق الموجود داخل السعودية؛ ليصبح الطريق ذا مسارين، أحدهما للذهاب، والآخر للعودة.



وللأسف، كانوا في المسار الصحيح قادمين، وتجاوز سائق شاحنة شاحنة أخرى غير آبه بالسيارات القادمة؛ لتصطدم سيارتهم وجهاً لوجه بالشاحنة المسرعة، وتدخل السيارة تحت الشاحنة؛ لتقتل "أسماء" وأختها وإخوانهما الثلاثة، في جريمة سائق الشاحنة الذي صدر صك شرعي بتحميله المسؤولية 100 في المئة بجانب شركة المقاولات، وخلفها وزارة النقل ومهندسوها الذين تركوا الحبل على الغارب لهذه الشركة دون وضع حاجز واضح بين المسارين، ودون الرقابة الحازمة على سائقي الشاحنات وملاكها الذين يواصلون قتل الأنفس البريئة بشاحناتهم التي يقودها سائقون بدون أهلية كاملة، وبعضهم ربما يتعاطون حبوباً منشطة، وبدون علامات تحذيرية.



وبإحصاء سريع ستتضح الأعداد الكبيرة من الدماء الطاهرة الزكية التي نزفت على الأسفلت.

قُتلت أسماء إسماعيل البشري - رحمها الله - ومعها أختها وإخوانهما الثلاثة - رحمهم الله - وذهب حلم الكتاب، وظل والدها العالم الأستاذ الدكتور إسماعيل البشري مدير جامعة الجوف يبحث عن الكتاب بأي طريقة، وأرسل للصين جهازها المحمول الذي تحطم في الحادث للبحث عن طريقة لاسترداد الكتاب من الجهاز، أو عن طريق الأستاذين اللذين لا يعرف من هما. واصل البشري بإيمان قوي بالله - عز وجل - مسيرة العمل الجاد لخدمة وطنه؛ ليقود جامعة الجوف لتصبح في واجهة الجامعات السعودية، بأنشطة علمية، كان آخرها "مؤتمر الوحدة الوطنية"، الذي تمكن فيه المدعوون من الخروج بتوصيات رائعة، وبإقرار كرسي الأمير متعب بن عبدالله بن عبدالعزيز لدراسات الوحدة الوطنية، بكرم نبيل من سموه بعد أن عرض عليه الدكتور البشري ذلك. وتمكن الحضور من مشاهدة مشاريع الجامعة الضخمة المكونة من كليات متخصصة متميزة في البناء والتجهيز حيث حرم شامل مستقل للطلاب، وآخر للطالبات، و33 مشروعاً تقدر قيمتها بثلاثة مليارات ريال، كما قال ذلك المهندس المتميز يحيى الفيفي المشرف العام على إدارة المشاريع في المدينة الجامعية.



حقاً، إنه الإيمان بالله - عز وجل - وقوة وصلابة الرجال، والرضا بما كتبه الله - عز وجل -.

وهذا الإبداع الذي يلازم البشري في محطاته الوظيفية، بداية بجامعة الملك خالد، ثم جامعة الشارقة ومجلس الشورى، وحالياً جامعة الجوف، بما جعل زملاءه في الجامعة يكررون دعاء الله - عز وجل - بأن يبقى في الجامعة؛ ليواصل التميز، وربما ينتقل لمرفق وطني آخر يواصل فيه همته ونشاطه.



أسماء.. إن الحسرة في القلب والدموع في المآقي عليك وعلى أختك وإخوانك.. ذهبتم بسلام، وتركتِ رسالتك للأجيال، وحباً وحزناً في قلوب والديكم ومحبيكم.. ودعواتنا لله - عز وجل - أن يغفر لكم ويرحمكم، ويسكنكم فسيح جناته.

{إنا لله وإنا إليه راجعون}

بواسطة : د.سعود بن صالح المصيبيح
 0  0  2.0K
التعليقات ( 0 )

صحيفة سدوان الإلكترونية | الأخبار
sadawan.com
***