• ×

08:47 صباحًا , الإثنين 11 ديسمبر 2017

لماذا دخلت كلية الطب؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
.
.
اختيار التخصص والمهنة لخريج الثانوية أمرٌ في غاية الأهمية. لكل إنسان متميز قصة من الإبداع والعصامية والطموح. سأل الابن والده: لماذا دخلتَ الطب؟ فكانت الإجابة معبرة عن تجربة تستحق الاطلاع، وفيها من العِبر الكثير؛ إذ يقول الأب:
"ابني الحبيب، عندما كنت في سنك كنت أدرس في قرية صغيرة في أقصى جنوب السعودية، وكنت يتيم الأب؛ تُوفِّي والدي - يرحمه الله - وأنا في الصف الخامس الابتدائي. كانت أمي - يرحمها الله - مَدْرسة في التربية، تخرجت من مَدْرسة الحياة، ولم تتلقَّ من التعليم إلا ما تيسر من القرآن، لكنها أوتيت من الحكمة - يرحمها الله - الكثير. قدمت أوراقي لكلية الطب في الرياض، وكنت وقتها أحلم بالسفر إلى الرياض، وتقدمت بأوراقي للجامعة. سألت قسم التسجيل: ما أحسن الكليات؟ قالوا: الهندسة والطب. أنت ماذا تريد؟ قلت: سأضع خياري الأول الهندسة؛ لأني كنت أعشق التصميم، وأحلم بأن أكون مهندساً معمارياً. ووضعت الخيار الثاني الطب. وكانت المفاجأة أنه تم اختياري للطب".
ويضيف الأب في إجابته لابنه عن مرحلة الدراسة، ويقول:
"بدأت معركة التحدي، وكانت اللغة عائقاً؛ لأنني لم يسبق لي أن سافرت، ووجدت معي أصدقاء يتحدثون عن قضاء فترة الصيف في لندن لدراسة اللغة. كنت أبذل مجهوداً مضاعفاً لكي أجاريهم. وبعد السنة المصيرية التي كانت تسمى العلوم الصحية، وهي التي تحدد من يذهب إلى الطب، ثم الأسنان، وبعدها الصيدلة حسب المعدل التراكمي، التي اجتزتها بالمعدل المطلوب، بدأت رحلة الطب الشاقة. وبفضل الله تخرجت في الوقت الطبيعي، ثم بدأت رحلة التخصص، واخترت تخصص الجراحة العامة وجراحة القولون (ولعل السبب هو وفاة والدي بسرطان القولون) عندما كنت في المرحلة الابتدائية، لكن كلمات عمي - يرحمه الله - كانت في ذاكرتي عندما قال إن الأطباء قرروا استئصال القولون - ولم أكن أعي ماذا يعني القولون - وسيعيش ما بقي من حياته يحمل كيساً - أكرمكم الله - على بطنه للإخراج. كان الطب في بداياته، ورفض عمي والأهل هذه الفكرة، ولم تمضِ إلا أيام قليلة حتى جاء عمي في عصر يوم، ولا أزال أتذكر اللحظة عندما قال إن والدكم اختاره الله ومات. بكيت كثيراً؛ لأنني كنت مقرباً إليه كثيراً، وعلقت فكرة مرضه في عقلي الباطن، وعندما اخترت الجراحة استيقظ بداخلي شعور غريب، لماذا لا أختار هذا التخصص على الرغم من أنه لم يكن مغرياً؟ وعارضني العديد، وحصلت لي فرصة بعثة، وكان لي ذلك، ودخلت زمالة الجراحة، وحصلت عليها في وقت قياسي، ثم انتابني شعور بأن شهادة البورد لم تكن ترضي طموحي، فقررت البدء من جديد، وحصلت على زمالة الكلية الملكية البريطانية FRCSEd بعد ستة أشهر من حصولي على البورد العربي، ومن أول محاولة ولله الفضل والمنة، ثم قررت أن أتعمق في جراحة القولون، وبفضل الله تم قبولي بوصفي أول جراح سعودي في أكاديمية سانت ماركس في لندن، وهي أعرق جامعة في جراحة القولون. تعلمت فنون الجراحة، وعدت في أواخر ١٩٩٧، وحصلت على وظيفة استشاري أول جراح للقولون في السعودية، وبفضل الله بدأت أتعامل مع أورام القولون، وأرى في كل مريض والدي، وعشقت التخصص لدرجة أعجز عن وصفها...".
ويضيف في إجابته لابنه قائلاً: "ابني الغالي، الطب أعظم مهنة على وجه الأرض، ولكي تنجح لا بد أن تعشقها، ولا تعتبرها مجرد وظيفة للحصول على المال. إنك إذا جعلتها هواية وليست مهنة سوف تشعر بطعم ولذة العيش. هي استثمار طويل الأجل؛ فالمرضى لا ينسون أبداً من كان يوماً مصدراً لسعادتهم. دعوات المرضى وإدخال السرور إلى أنفسهم أثمن استثمار. ولا تبحث عن المال؛ لأن المال سيبحث عنك، ولا تطارد السعادة؛ لأنها ستأتي إليك. الدعوات التي يطلقها المرضى في لحظات قد لا تكون تراهم أو تسمع دعاءهم سوف تأتيك أينما كنت، ولا ولن تعلم متى ستكون أبواب السماء مفتوحة، قد يكون هناك شخص يدعو لك في ساعة استجابة قد تغير مجرى حياتك.
يا بُني، مهنة الطب مهنة تتعامل مع حياة الناس. نعم نحن مجرد أسباب، والشفاء بيد الله، لكن إذا أخلصت النية في العمل فاعلم أن الرزق والمال والبيت والزوجة وكل ما تحلم به سوف يأتيك إذا أخلصت النية لله.
يا بُني، لا تفكر أبداً في أن تصبح مشهوراً، ولا تبحث عن المنصب ولا المركز؛ لأنهما سيأتيان صاغرَين إليك. ابتسم؛ فتبسمك في وجه أخيك صدقة، فكيف إذا كانت في وجه مريض يعتصره الألم؟.. هي من أهم أسباب العلاج. أحبب الناس، لا تحتقر الناس لسوء خلقهم، ولا تجعل الغرور يدخل إلى قلبك. احذر بني من الكسب الحرام، ولا تبالغ في الركض خلف المال. اقنع بالقليل يأتيك الكثير. لا تعامل المريض على أنه حالة مرضية. تقرب من المرضى، اسأل عن ظروفهم، ساعد المحتاج، ولا تذكر إحسانك لأحد، ولا تتوقع ولا تنتظر رد الجميل، وإن أساء لك أحد فقابل الإساءة بالابتسامة.
بُني العزيز، لو عاد بي الزمن سنين للوراء لدرست الطب، ثم الطب ثم الطب، ليس لأجل المال ولا الشهرة. ابعد قدر ما تستطيع عن أن تطلب شيئاً منها. اترك الأشياء والكراسي تطلبك؛ لأن من طَلَب شيئاً أوكله الله إليه، ومن طُلِب إلى شيء أعانه الله عليه. اجعل تقوى الله هدفاً لك، وستجد لك من كل ضيق مخرجاً.
وأخيراً بُني الغالي، اختر ما تراه يناسب قدراتك، ولا تجعل أحداً يقرر لك ما تريد، واعلم أنه من طلب العلا سهر الليالي.
ابني الغالي، اجعل رضا الله هدفك، ولا تخشى من سلطة أحد؛ فالأرزاق قد قسمها لك المولى - عز وجل - والأقدار قد كُتبت، ولا تحزن إن فاتك شيء؛ فلعل الله أراد لك خيراً منه، أو أنه بقدرته يعلم أنك غير مهيَّأ له. ولا تبالغ في الأحلام، واعلم أنه لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس".
انتهى كلام استشاري الجراحة العامة في مستشفى قوى الأمن الأستاذ الدكتور محمد العسيري، وأنشرها بعد اطلاعي عليها؛ لكي تعم الفائدة؛ فهي خلاصة رؤية إنسانية في كيفية دخول الطب، ثم التميز به، ثم التعامل مع أخلاقيات المهنة. وأرى أنها وثيقة ينبغي على وزارة التعليم العالي توزيعها على طلاب كليات الطب، وكذلك على وزارة الصحة وهيئة التخصصات الصحية؛ لتكون في يد كل طبيب وطبيبة.
هذه من ثمرات البناء والابتعاث، ومثل الدكتور كثير - ولله الحمد - في وطني من أطباء وطبيبات ومبدعين ومبدعات في التخصصات المختلفة كافة.

بواسطة : د.سعود بن صالح المصيبيح
 0  0  354

إشترك بنشرة صحيفة سدوان اﻻلكترونيه ليصلك جديد اخبارنا

التعليقات ( 0 )

صحيفة سدوان الإلكترونية | الأخبار
sadawan.com
***