• ×

08:48 صباحًا , الإثنين 11 ديسمبر 2017

"سارة" و"الأدلجة"

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
.
.
في مؤتمر من مؤتمرات الفكر العربي خارج السعودية جمعتني المصادفة على طاولة الغداء بالأمير تركي الفيصل وبسيدة أمريكية، اسمها الأول "سارة"، التي عرَّفتني بنفسها على أنها مسؤولة حقوق الإنسان العالمية في الشرق الأوسط، وأعطتني بطاقتها، وأنها تقيم في نيوريوك، ثم بدأت تتحدث عن الديمقراطية وأهمية وجودها في الشرق الأوسط عن طريق الانتخابات؛ ووجدتها فرصة لمناقشتها قائلاً: سأعطيك تصوري عن الانتخابات، فإن وجدتِ ذلك خطأ فإنني سأؤيد فكرتك. وقلت لها إن أكبر خطأ في الديمقراطية بطريقتكم أنها تساوي بين الناس في الفهم والقدرات والعطاء للجميع، مع أن الله سبحانه وتعالى خلقنا مختلفين، ثم جعل لكل واحد موقعاً في هذه الحياة حسب جده واجتهاده وتعلمه وكفاحه، فهل يعقل أن يكون صوتك يا سارة في الانتخابات وأنت قانونية متخرجة من جامعة متقدمة مساوياً لصوت أحد الضائعين في الشوارع بلا سكن ولا مأوى بعد أن أهمل نفسه؛ ليتخذ قراراً في اختيار رئيس دولة أو حزب أو عضو في كونجرس أو مجلس بلدي، ويكون هذا الشخص الذي اختاره مؤثراً في قيادة البلد؟ فهل هذا عدل؟ وهل هذا نظام سليم؟.. وأضفت بأن أول تجربة لي في أمريكا عندما وصلتها للدراسة صادفت وقت انتخابات، وأن الحزبين المتنافسين كانا يتسابقان على التقاط البسطاء والمعوزين والضعفاء من الشوارع والأحياء الفقيرة بحافلات، ثم يبدؤون بتوزيع الطعام وبعض المبالغ المادية؛ لكي يذهبوا ليصوتوا لـ"فلان أو علان"، فهل هذه هي الانتخابات التي تريدون؟ ردت قائلة إنها لأول مرة تسمع مثل هذا المنطق الذي يدعو للتأمل. قلت: هل العالم في "ناسا" أو الباحث في "هارفارد" أو الإعلامي القدير في "سي إن إن" أو الجراح الماهر في "جونز هوبكنز" أو رجل الأعمال الناجح في "لوس أنجلوس" يعادل في صوته الموظف البسيط أو الفاشل أو الكسول أو الذي لم يقدم لمجتمعه شيئاً؟ قالت هذه تفرقه. قلت: بل هذه عدالة، والذي أراه أن يكون هناك لجنة من أعلى سلطة في الدولة، مثل المحكمة العليا؛ ليكون للأعلى تميزاً الصوت بخمسة أصوات، ثم الذي يليه بأربعة، ثم الذي يليه بثلاثة، وهكذا حتى تصل للشخص العادي، ويكون له صوت واحد. فقالت مرة أخرى: فكرة تستحق التأمل. طبعاً سمو الأمير تركي كان منهمكاً في حديث مع شخص آخر، وبقيت أكرر هذه الفكرة إلى أن قرأت دعوة للمشاركة في آخر انتخابات بلدية لدينا في السعودية، وأن المشاركة بها مرتبطة بالوطنية، وأستغرب أن تقحم الوطنية في موضوع كهذا؛ ذلك أننا نطبق تجربة غربية نتيجة الضغوطات الغربية، وطريقتنا في الاختيار المبنية على أهل الحل والعقد والشورى الإسلامية أثبتت كفاءتها دون سلطة المال أو الأدلجة. والتجربة الأولى للانتخابات البلدية محزنة؛ فقد خرجت من منزلي صباح يوم خميس لكي أرشح المهندس المتميز والإداري الأكاديمي المتمكن، اللذين أرى أنهما سيخدمان المجلس البلدي، وفوجئت بأن قائمة معينة اكتسحت الأصوات لأشخاص ليس لهم علاقة بالإدارة والهندسة والشؤون البلدية، بل قوائم التزكية، وهذه هي النتيجة، مجرد فرقعة كلامية ورغبة في فرض أفكار معينة على حساب المصلحة. ولهذا فإن التنمية المتميزة في بلادنا ليست بحاجة لاستقطاب أفكار غريبة بل علينا استنباط طريقتنا في الاختيار والتعيين، وقد رأينا كيف أخرت الأدلجة والفكر السياسي بعض أوطاننا العربية، ورأينا أن الفوز بالانتخابات يخضع لاعتبارات طائفية أو قبلية أو عشائرية أو حزبية فكرية مؤدلجة؛ لهذا ينبغي أن تبقى لنا خصوصيتنا التي عادت على وطننا - ولله الحمد - بالأمن والأمان والاستقرار الذي يحسدنا عليه الآخرون. أما "طهبلة" المؤدلجين فستقودنا إلى التشاحن والتأزم وشراء الأصوات والتفرقة بين أفراد المجتمع. وأرى أن الطريقة الغربية ليست الطريقة الأسلم في الانتخاب؛ لأنها تساوي بين العالم والجاهل، ويكون صوت الجاهل بالتبعية لمن يؤثر في عقله غير المدرك للمصلحة العامة.

بواسطة : د.سعود بن صالح المصيبيح
 0  0  394

إشترك بنشرة صحيفة سدوان اﻻلكترونيه ليصلك جديد اخبارنا

التعليقات ( 0 )

صحيفة سدوان الإلكترونية | الأخبار
sadawan.com
***